الشيخ محمد رشيد رضا

275

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الإشارة في قوله تعالى « ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » إلى كل من النعيمين الجثماني والروحاني اللذين يحصلان بعد النجاة من أهوال يوم القيامة ، وقيل إنه للثاني فقط ، والأول أصح لأنه الأكمل ، ولان مثل هذا الاطلاق ورد في إثر إطلاق الجزاء بالجنة وحدها في آيتين من سورة التوبة غير الآية التي أوردناها آنفا ، وفي إثر إطلاق الجزاء بالجنة مع النجاة من عذاب النار كما تراه في آخر سورة الدخان ، وفي معناه ما في سورة المؤمن والحديد والصف والتغابن ، فان ذكر المغفرة فيها يتضمن معنى النجاة من عذاب النار . فنسأل اللّه الكريم الرحمن الرحيم ، أن يجعلنا من أهل هذا الفوز العظيم ، بفضله واحسانه ، وتوفيقنا لأسباب مرضاته . * * * ثم ختم جل جلاله هذه السورة بقوله لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهو مناسب لما قبله مباشرة ومناسب لأن يكون ختاما لمجموع ما في هذه السورة . أما الأول فلما بين ما لأهل الصدق عنده من الجزاء الحق في مقعد الصدق ، بين عقبه سعة ملكه وعموم قدرته الدالين على كون ذلك الجزاء لا يقدر عليه غيره . وأما الثاني فلما كان أكثر آيات هذه السورة في محاجة أهل الكتاب عامة ، وبسط الحجج على بطلان أقوال النصارى في نبيهم خاصة ، وسائرها في بيان أحكام الحلال والحرام ، مع النص على إكمال الدين بالقرآن ، وعلى وحدة الدين الإلهي واختلاف الشرائع والمناهج للأمم ، - ولما كان كل من ذينك القسمين في الأصول والفروع قد تكرر فيه الوعد والوعيد ، وقفّي عليهما بذكر جمع اللّه تعالى للرسل يوم القيامة وسؤالهم عن التبليغ ، وجواب أحدهم الدال على شهادتهم على أقوامهم بالحق ، وتفويض أمرهم إلى اللّه عز وجل - لما كان ما ذكر كما ذكر ناسب أن تختم هذه السورة ببيان كون الملك كله والقدرة كلها للّه وحده ، وان ملك السماوات والأرض وما فيهن للّه وحده ، كما يدل عليه تقديم الظرف - وهو خبر المبتدأ - وقد اختيرت كلمة « ما » في قوله « وَما فِيهِنَّ » على « من » الخاصة بمن يعقل ، وهو الذي من شأنه أن يملك ، لان مدلولها أعم وأشمل ، وللإشارة إلى أن يوم الجزاء الحق يستوي فيه من يعقل ومن لا يعقل ، فلا يملك معه أحد شيئا ، لا حقيقة ولا مجازا ، ويدخل في ذلك المسيح